حلف شمال الأطلسي واليابان: «جبهة موحّدة» ضدّ الصين
د. خالد العزّي
Friday, 24-Apr-2026 06:54

في خطوة غير مسبوقة، أرسل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وفداً يضمّ نحو 300 ممثل إلى اليابان وكوريا الجنوبية، في زيارة ركّزت على سبل احتواء الصين. وأثارت هذه التحرُّكات ردود فعل قوية في بكين، حيث اعتُبِرت الزيارة تأكيداً على رغبة الحلف في ترسيخ وجوده في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهو ما يراه البعض محاولات لاحتواء الصين على الساحة الدولية.

«الناتو» يتوسع إلى آسيا

لطالما كان حلف شمال الأطلسي، الذي تأسس أساساً من أجل حماية أوروبا والمحيط الأطلسي، محصوراً في إطار التزاماته الأوروبية. لكن مع تزايد التوترات في المنطقة، لاسيما حول الصين، بدأ «الناتو» في توسيع نطاق اهتماماته ليشمل الشؤون الآسيوية. تأتي هذه التحرُّكات في وقت يتصاعد فيه النفوذ الصيني، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي، وهو ما دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى زيادة التحرُّكات المشتركة لمواجهة هذا التحدّي.

 

في هذه الزيارة، شدّد ممثلو «الناتو» على أهمّية تعميق التعاون العسكري مع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، اللتَين تُعتبران من الحلفاء الرئيسيَّين في شرق آسيا. شملت الزيارة تفقّد قواعد عسكرية في اليابان وكوريا الجنوبية، ما يعكس نية «الناتو» في تعزيز الروابط العسكرية مع هذه الدول، وهو ما يراه الخبراء محاولة للحدّ من التأثير المتزايد للصين في هذه المنطقة الاستراتيجية.

 

ردّ الفعل الصيني: التوسّع العسكري والتوجُّه شرقاً

من جانبها، انتقدت الصين توجُّهات «الناتو» نحو آسيا، معتبرةً أنّ هذه التحرُّكات تأتي في سياق محاولات الولايات المتحدة وحلفائها لعرقلة التنمية الاقتصادية للصين وتعزيز النفوذ الغربي في المنطقة. كما أشارت تقارير صحافية إلى أنّ توسّع «الناتو» شرقاً ليس مجرّد تحوُّل في الاستراتيجية العسكرية، بل هو أيضاً مؤشر على الأزمة الداخلية التي يعاني منها الحلف في ظل تذبذب المواقف الأميركية، ممّا يُثير قلقاً حقيقياً في بكين بشأن الاستقرار المستقبلي في المنطقة.

 

التعاون العسكري مع اليابان وكوريا الجنوبية

من ضمن القرارات المهمّة التي خرجت من هذه الجولة، توقيع اليابان وأستراليا عقوداً ضخمة لتزويد البحرية الأسترالية بسفن حربية. هذه الصفقة العسكرية تمثل نقلة نوعية في العلاقات العسكرية بين طوكيو وواشنطن، وتُعتبَر خطوة كبيرة منذ رفع الحظر عن تصدير الأسلحة اليابانية عام 2014. تبرز هذه الخطوة مرّة أخرى الطموحات المشتركة لحلفاء الغرب في مواجهة النفوذ المتزايد للصين في المنطقة.

 

وتُظهر هذه التحرُّكات أيضاً رغبة «الناتو» في توسيع نطاق عمله في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، من خلال توسيع التعاون العسكري مع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، اللتَين أصبح لديهما استعداد أكبر للانخراط في مناورات عسكرية مشتركة مع «الناتو».

 

«الناتو»: تداعيات أمنية مع روسيا وإيران

موسكو تدرك أنّ تحرُّكات الناتو في آسيا قد تؤثر بشكل مباشر على الأمن الأوراسي، خصوصاً في منطقة آسيا الوسطى التي تعتبرها روسيا ضمن نفوذها التقليدي. وتخشى موسكو من أنّ توسّع وجود «الناتو» في المنطقة، إلى جانب علاقات بعض دول الحلف مثل تركيا مع الصين وآسيا الوسطى، قد يُضعفان هيمنتها.

 

كما أنّ هناك خلافات داخل «الناتو» حول كيفية التعامل مع إيران. فبينما تسعى بعض الدول الأوروبية للحفاظ على توازن في علاقاتها مع الصين وطهران، تتبنّى الولايات المتحدة موقفاً متشدّداً ضدّ طهران. هذه التناقضات قد تزيد من التوترات داخل الحلف.

 

الخطط المستقبلية: تحدّيات أمام التوسع

يرى بعض المحللين، أنّ «الناتو» قد يواجه صعوبة في توسيع نفوذه شرقاً بسبب التباين بين أعضائه. فبينما تسعى دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية لتعزيز التعاون العسكري مع الحلف، تتردّد دول أوروبية تربطها علاقات تجارية قوية مع الصين في دعم هذا التوسع. بالإضافة إلى التحدّيات الاقتصادية والصراعات الجيوسياسية التي قد تؤدّي إلى تقلّبات في المواقف، ممّا يعوّق نجاح هذا التوسع.

 

تُبرز مسألة توسيع نفوذ حلف «الناتو» في آسيا كجزء من الصراع الأكبر على النفوذ العالمي، إذ تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تحجيم القوّة الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين. وعلى رغم من التحدّيات التي يواجهها «الناتو» في هذا المسعى، تشير التحرُّكات الأخيرة في المنطقة، إلى أنّ الحلف مستمر في سعيه لتوسيع نفوذه في آسيا. في المقابل، تبقى الصين في حالة تأهّب، مدفوعةً بإدراكها لأهمية منطقة آسيا والمحيط الهادئ في استراتيجيتها العالمية.

الأكثر قراءة